|
من عادات منطقة عفرين التـَّآلـُفُ الاجتماعيُّ في حالات الوفاة▪ إن صورَ الحياة البشرية متقلـِّبَة بين الائتلافِ والتَّنافر ، التجاذب والتدافع ، شِبْهَ تقلـُّبَاتِ ظوَاهرِ الكون المادِّيِّ ، الذي يتحكَّمُ فيهِ قانون التناقض طوْعًا وكرْهًا .. بدايةً من قطبَي السَّالِبِ والمُوجبِ في الذَّرَّة ، وانتهاءً بالأجْرام .. صغيرها وكبيرها ، كواكبها فنجومها فمَجَرَّاتها ، يُثارُ فيها نظامُ الدَّمَار .. والعَمَار ؛ لكنها متناسقة لتحقيق التوازن بين أفراد العائلة الكونية ؛ بهدف تنميتها .. ثمارًا يانعة لِخِدْمَةِ سَادَتِهَا أبناء البشر .. فهل تتناسق ألوانُ حياة البشر بين بعضها .. لولادة التوازن بين أعضاء الأسرة البشريةِ .. كما التناسق بين موجودات الطبيعة ؟!. ▪ هي الحياة البشرية .. ولادة ثـُ....ـمَّ مَوْتٌ ، وبينهما مرحلة قصيرة أو طويلة ، يُسَجِّلُ فيها المَرْءُ سيرته الذاتية .. حميدة أو ذميمة أو مَزيجَة .. الأمرَ الذي يوحي إليه .. بأنك يا أيها الإنسان ؛ تنتقلُ بين مواقفِ الامتحان في جميع السَّاحات !. فالتَزمْ الجـِدَّ ، وأخلص الأداءَ ، وصاحب الأمانة والاستقامة ، وليكن التعاطفُ مع الآخرين إكسيرَ التشادُدِ ؛ تَسْلـَمْ لك النتائج .. راضية مرضية !.. ▪ كانت هذه المقدمة توطئة لتحليل ظاهرة من الظواهر الاجتماعية .. وقائع ظاهرة الوفاة في منطقتنا عفرين " مدينة وقرية " بسلبيتها أو إيجابيتها ، ثم إمكانية إيجاد التوازن نحو هدفٍ سليم ، يفوح منه عبقٌ إنسانيٌّ نبيلٌ . 1ـ وقائع الوفاة : ـ تُعْلـَنُ الوفاة بالمذياع المحليِّ ، ويُعْلـَمُ الخليل والقريب بالهاتف أو بوَسَاطةِ الرُّسُل أو صفحات " الإنترنيت " . فيحضرُ الجمعُ " من الأماكن البعيدة والقريبة " يشاركون أهل المتوفىَّ في أسَـاهُمْ ومأتمهم ، يتضامنون عنهم في أداء الخدمات اللازمة .. من استقبال الوافدين ، ويتكافلون في إتمام الواجبات المفروضة تجاه الميت ؛ من غسلٍ وكفنٍ ، ثم التابوتُ فالصلاةُ عليه ، إلى تنظيم مراسيم تشييع الجنازة ، وقيادة موكبها " الذي يتلوَّنُ حسب المستوى الاجتماعي للمتوفى " فالسيرُ نحو المقبرة مكان الدفن . وهناك ؛ يكون القبر قد أعِدَّ من قبل أهل الخير في القرى غالبًا " وبالأجرة أحياناً " . ويتمُّ إنزاله القبر من قبل الأقربين ، ثم يهال الترابُ على سقف القبر .. بين دمدمة التلاوة للقرآن الكريم .. فالاختتام بتلقين الشيخ والدعاء انتهاءً بالفاتحة على روحه ، واصطفاف أهل قرباه في جانب من المقبرة ، يمرُّ بهم المُعَزُّون مصافحين أو مقبِّلين .. بينما النسوة يَكُنَّ بجوار القبر يتدَبَّرْنَ ويبكين .. وأخيرًا يرجع كلٌّ منهم إلى حال سبيله بين : مادح وقادح لا يبالون ، ومستغفر ومسترحم لميِّتهم داعون ، وبرحيله يتعظون ، أو لا يتعظون. وثمة عادة لِبَعض القرى ، يَجري التناسق مسبقا بين أهل الفضل واليسار ، ويرسلون شخصا منهم إلى القبور ، ليقف بعد التلقين ، يعلن في جمهور المشيِّعين ثناءَ أهل الفقيد وسائر أهالي القرية للمشاركين الحضور .. من القرى المجاورة والأماكن النائية ، ويرجونهم أن يتوجَّهَ أهل قرية كذا إلى بيت فلان ، وقرية كذا إلى دار فلان ، وهكذا .. تقديرًا لهم على حسن عزائهم ، ومشاركتهم في أسَاهُم مشكورين مأجورين . 2ـ خيمة العزاء للرجال (وللنساء انفرادًا أحيانا) ؛ تكون قد نصِبَتْ من قبل ذوي النخوة .. خلال فترة التشييع أو قبلها .. تحتها الكراسي مصفوفة ، والطاولات منضودة ، ومستلزمات استقبال المعزِّين (من القهوة المرَّة والشاي والماء البارد والدخان) جاهزة التقديم بين فينة وأخرى .. فيتصدَّرُ المجلسَ طلابُ العلم وأهْلِهِ ؛ يعظون الحضورَ بأطايب الحديث والإرشادات اللاَّئقة بالمناسبة . وهكذا يمضي العزاءُ ثلاثة أيام (على السُّنَّة) وغالبًا ما يزيد حسب مكانة الفقيد (على العادة خلافا للسنة) .. وذلك في استنفار دائم من الصباح إلى انقطاع الناس ليلاً . ـ يتخلل الوقتَ الطويلَ للعزاء تقديمُ الغداء للوافدين من أماكن بعيدة على حساب بعض الأقربين من الميت ، وخاصة في اليوم الأول بعد العودة من الدفن . ـ يُختَتَمُ العزاء عادة بقراءة المولد ، فالمائدة العامرة بلذائذ اللحوم ومتعلقاتها ، والحلويات مع الفواكه .. فالدعاء للميت وسائر المسلمين . 3ـ الصفات الإيجابية والسلبية في ظاهرة الوفاة : يستحيل تجريد الظواهر من هاتين الخصلتين ، بل يستحيل اتفاق الجميع على صنف منهما ؛ إذ قد يكون عملٌ مَا إيجابيًّا عند هذا ، وسلبيًّا عند ذاك . ولكن لا يختلف عاقلان واعيان حول سلبية أمورٍ دون الأخرى . ولهذا ننوِّهُ بالتالي : ▪ الإيجابيات في مآتم منطقة عفرين مقابل السَّلبيَّات : ـ تضافر أبناء القرية حول مصيبة الوفاة ، فلا عمل ولا غياب ، بل تضامنٌ جماهيريٌّ في أسَى الفقيدِ الرَّاحل ِ بجميع المقتضَيَاتِ الإنسانية النبيلة تجاهَ مصاب أحد جيرانهم .. وأجْدِرْ بهم أن يتكاتفوا في مضائق حياتهم كما يتكاتفون في شؤون موتاهم !!. ـ خيمة العزاء في معظم قرى المنطقة ومدنها .. بجميع متطلـَّباتها " الكراسي والطاولات والمواقد " ؛ يعِدُّهَا أهل الخير من حسابهم الخاص ِّ ، استعدادًا لمثل هذه الأيام وإنقاذاً لهم من الإحراج من زحمة المعزين في البيوت المعاصرة الضيقة صيفاً أو شِتَاءً . ـ غالبًا مَا تتميَّزُ جلساتُ التعزية بالهدوء والسكينة ، بعيدةً عن أحاديث المشاغل اليومية ومكاسبها ، مُمَهَّدَةً لِطرْح التوجيهات ذات العبر والتقييم ، واستخلاص المغزى من الحياة (من الولادة إلى طوال مسيرة العمر .. فالانتهاء بالموت) . وكثيرًا ما ينفرد بعضٌ من ذوي الأزياء الخاصة أو الانتماءات المعينة ، ليتصدَّرَ الحضورَ بكلماتٍ ملبوسةٍ ببَريق المعرفة والعِبَر .. يضع النقاط على بعض الحروف .. أو الحروفَ على النقاط " وتلك الطامَّة الكبرى" .. وقلما يُثارُ الجدالُ احترامًا لِلـَبُوسِ العزاء وأهلهِ ، وإنْ أثيرَ تقويمٌ للخطإ من ذوي العقل والمنطق ؛ فالتنازل للحقِّ بعيدٌ بُعدَ الثـَّرَى !.. وتلك هي سلبية الاستغلال العابث للموقف .. فكانَ الأجْدَرُ أنْ تُتـَّخَذ الحالُ مناسبة خصيبة لأهل العلم والمعارف والثقافة الناضجة " بالحضور العفويَِّ ، أو بشرف الاستدعاء الكريم للرِّيَادَةِ الفكرية الهادفة .. أملاً في عرض الوصفات الكفيلة بالبناء الاجتماعيِّ النبيل ، وتزيينِهِ بمِلاطِ التوادُدِ والتراحم والتعاون الخَيِّر ، إضافةً إلى فـُرَصٍ للاستفسارات والاستفتاءات التي تزيلُ الغموضَ عن بعض المجاهيل ، وتجَنـِّبُ الأوهامَ عن بعض الحقائق ، وتستبينُ بذورَ الخير بغية استثمارها وتنميتها في ميادين الحياة العملية والسُّلوكية والاجتماعية .. إظهارًا لكثير من الأحكام الغائبة ، عن كثير من الأفراد ، لكثير من أنواع المعاملات الجائرةِ والمجحفة .. وتلك هي إيجابية الحضور والمناسبة . ـ بادرة لا مثيل لها في المناطق الأخرى حسب علمنا ، بل إنها لمَّا تحِنْ أوانُ ولادتِهَا في معظم قرى منطقتنا عفرين !. ألا وهي : التضامنُ الذاتي بين الأسَر القاطنةِ في قرية مرونة فوقاني بحَمْل جميع الأعباء والنفقات اللازمة لحالات الوفاة في القرية " من الدفن إلى ختام الأيام الثلاثة للعزاء " دونما انفراد أهل العزاء بهذه التبعاتِ المُرْهَِقةِ (كما هي الحالة العامة) .. إنها بادرةٌ غيرُ مسبوقةٍ ، تستحقُّ التقديرَ والشكر لأهالي هذه القرية ، وللجماعة القائمة بضبطِ هذه الظاهرة الفاضلة ، التي لا تخلو من إرهاصاتِ الإعداد المسبَق ، حول توفير الاعتمادات اللازمة من كواهل الأسَر ذات الصلة بالقرية .. الجاهزة لأداء المهمة الإنسانية الحميدة حيال مصيبة الموت .. التي تعمُّ الناسَ جميعًا . ولو تعَدَّتْ هذه المكرمة الغَيُور إلى خارج تلك القرية الوحيدة ، أو إلى خارج العائلة الواحدة [ كما الحال بين أفراد عائلتين في كلٍّ من قريتي كَاخْرَيْ ( مَالـَيْ قيْسُم ) وجُوَيْقْ ( مالـَيْ إيبوكَيْ ].. ثم جاوزها إلى معالجةِ مواضيع تكافلية أخرى للحياة ؛ في الأفراح والأتراح والخصام ، وعلى رأسها : الزواج والمصائب المتنوعة والأمراض ومضائقُ المعيشة .. لأنْجَبَتْ حياةَ أمَّةٍ في الفرد ، أو فرْدٍ في الأمَّةٍ ، ولاختفتْ من الوُجُودِ الصُّوَرُ الموحشة للبؤس والشقاء ، وانخمدتْ نيرانُ المنازعات والخصومات .. بمعالجاتٍ جماعيةٍ .. في ظلال أهل الحَلِّ والعقد .. فهلْ منْ مُد َّكـِّر ؟!!.. ونقدم لكم بالصور مراحل الدفن وجلسات العزاء في منطقة عفرين : @ù@ |
|
|
|
| السير بالجنازة | الصلاة على الجنازة |
|
|
|
| حفر القبر | |
|
|
|
| دفن الميت | قصور المستقبل |
|
|
|
| تلقين الميت | التعزية بعد الدفن |
|
|
|
|
جلسات العزاء |
جلسات العزاء |
اعداد وتنفيذ : عبدالرحمن حاجي عثمان
تدقيق وتصويب : الاستاذ ابراهيم خليل عيسى
تيريج عفرين 4 / 8 / 2007