همسات مملكة البراءة

للكاتب مروان بركات

 

ـ همسات مملكة البراءة

ـ قصص

ـ مروان بركات

ـ الطبعة الأولى 2006

ـ صورة الغلاف من متحف الفن العالمي الرمزي

ـ صدر عن دار عبد المنعم ـ ناشرون

ـ جميع الحقوق محفوظة للمؤلف

ـ موافقة وزارة الإعلام رقم 3096 تاريخ 6/11/2005 وتأشيرة اتحاد الكتاب العرب رقم 792 تاريخ 15/10 / 2005

 

 دار عبد المنعم ـ ناشرون

مؤسسة ثقافية تعنى بنشر الأدب والفكر والعلوم العربية والعالمية

سورية ـ حلب ـ شارع القوتلي ـ ص.ب:6567 ـ تلفاكس 2114512

  تقديـم :

 

من واقع محكوم بالموت ، إلى خيال يعلو فوق كل الوقائع المعاشة في رسم يفوق أشكال الموت المعلن عنها ..

حلم الطفل الذي ما يزال يركض بحثاً عن حقيبة مدرسته التي نسيها في احدى الزوايا ، ليجد بدلاً منها شبح الموت يترصد به ، وحيث أنه لم ينتبه إلى أن هذا هو شبح الموت ، حاول أن يلاعبه ، أن يداعبه .. إنه لا يتحرك لعباً إنه ديجور الموت الذي يخطف الطفولة والأحلام .. لم يرحم حتى طفولة لا تعرف عنه شيء ، عن اجرامه عن لونه الأسود .

 حلبجة – تل الزعتر – بادينان – روابي آغري صبرا – شاتيلا – مذابح الأرمن – مذابح عرفتها كل الشوارع والعواصم  لم يتنسى للتاريخ أن يسميها ..

في هذه المجموعة القصصة يسجل مروان بركات في سجل التاريخ القصصي جريمة عرفها أطفال حلبجة بأرواحهم وأجسادهم وبيوتهم ومدارسهم، عرفوها كما يعرف الطفل الحلم سيحكيها لنا عبر أرواح هؤلاء الأطفال .. كما سيحكيها لكل طفل في الأيام القادمة في كل العالم .

إن هذا النوع من الأدب لا يقال بالمعنى الإقليمي بل يقال بالمعنى العالمي لكل جريمة تقع على أي إنسان في العالم .

الناشر


 إلى الأرواح البريئة التي لم تجد من البشرية إلا ظلمها وعسفها

 توطئة :  

 هذه أصوات بريئة تنطلق من مملكة الأموات لتحدثنا عن الأحلام الصغيرة والأفكار الرقيقة التي كانت تدور في أروقة مخيلة الطفولة حينما داهمتها اليد الظالمة لتطفئ فيها جذوة النور ... وتقطف منها ألق الطفولة وتبتر الأحلام الواهية التي قضّت مضاجعهم , وأرهبت كياناتهم .

قليل من همسات أطفال حلبجة , يهمسون في آذاننا ما كانوا يحلمون به وما كانوا ينتظرونه قبل أن يداهمه أشباح الموت أيام 16- 17- 18 آذار 1988 .

 ==== 

أعظم الذنوب على الإطلاق ..

قتل الأبرياء ..

وعداوة البراءة

الرضيع

 نهضت الأم بسرعة , ساقتها غريزتها إلى غرفة طفلها , لم تر آنئذ إلا بسمة طفلها الرضيع , ولم تسمع من هدير الطائرات وضجيج الناس إلا أنغام طفلها حين يلمس ثديها .

عاشت من الحياة عمراً , فما وجدته إلا مختزلاً في أيام طفلها , ولمست عبر أيامها أنواعاً من السعادة اندمجت كلها في سعادتها بطفلها .

ورأت صنوفاً من الشقاء والمكابدة تلاشت جميعاً في دموع الطفل .

حين بدأ يصرخ أولى صرخاته , كانت نفحة جديدة من نفحات الحياة ترفُّ في أرجاء الغرفة , وهل ميلاد الطفل إلا صورة مصغرة من ميلاد البشرية تتجدد كل حين وهل الطفل إلا أريج البراءة تنضج به أنغام ضحكاته لتطرد عن الكبار هالات الحقد والشر تمركزت حول قلوبهم .

وهل هو إلا تجديد لصورة البشرية علّها تخرج في هذا الطفل ناصعة , نظيفة من أدرانها المعهودة .

وإذا كانت الحياة لا تكتمل إلا بالتجديد , فإن الطفل هذا قد جدد في حياة أمه ما جدد . فالأنثى من النساء لا تكتمل معاني أنوثتها إلا بالولد , والرجل حين يبحث عن معاني الخلود فهو لا يجدها إلا بالولد .

قالت الأم تخاطب طفلها : سأرضعك حليبي, وألفك بحناني وعطفي , وأغسلك بدموعي وأحفظك في قلبي , وأرقب نموك لحظة تلو لحظة , لأراك تحبو , ثم تتلكأ , ثم تمشي فتهرول فتخب , فيملأ ضجيجك أرجاء الدار, فأفرح بك فرح العبقري بإبداعه الناجح .

ولفّ الأب طفله بين ذراعيه , ولثمه من خده, ثم نظر فيه نظرة احتوت الكثير من المعاني , وكأن لسان حاله يقول :

متى تكبر أيها الرضيع فأرى فيك نفسي التي تربيك فأجدك جمعت من العلم والخلق والذكاء والجمال ما عجزتُ عن جمعه , وأجدك قد صنعتَ ما عجزتُ عن صنعه , فتكون أنت بصنيعك إكمال الأنا بصنيعي .

كان الطفل حينئذ يبحث عن أمه , يعرفها من بين نساء الأرض أجمعين , ولو كانت شوهاء .. أصوات قوية أيقظته من غفوته الهادئة . أرعبه ضجيج الكبار فراح يصرخ.

وانتبهت الأم لصراخه قبل أن تنتبه لصراخ الموت , وحاولت جاهدة أن تصل إليه وحاول الموت بلا جهد أن يصل إليها . سقطت على عتبة الباب .. وعيونها تبحث عن طفلها الرضيع .. كانت لحظات حاسمة وسريعة .. وظالمة .. لم تسمع لهذه الأم أن تلق ولو نظرة على طفلها .. لكنها سمعت آخر ما سمعت بكاء طفلها . فكان أعذب الأصوات يهدهد روحها وهي تفيض .

أما طفلها , فربما كان يعجب كيف هان بكاؤه على أمه فتأخرت عنه هكذا .

بكى ثم بكى , وهو يحاول أن يوقظ أمه من بين الأموات .

بحث بفمه الصغير عن الأثداء البعيدة , عن الأذرع الحنونة عن الشعر الناعم يلامس عنقه

ظل يبحث لفترة حسبها طويلة .

لكنها كانت أقصر بكثير مما يحتاجه السم الزعاف كي يقضي على جسم طفل بض .

                                                                 16 / 3 / 2001

========

شهيدة .. ابنة شهيد .. من مدينة شهيدة ..

إنها فيان

التي تلفظت أنفاسها الأخيرة .. في أحضان حلبجة .

فيـان

 كانت الدنيا أبخل من أن تهبني لقمة أسدّ بها رمقي .

وكان الجوع أظلم من أن ينظر إليّ كطفلة .. تستحق الحياة .

وكان الموت أسرع من الجميع .

رأيت بعدها صوراً شتى .. صورة أبي المعلقة على جدران الأحزان , في الغرفة المظلمة التي ملأتها أمي بعبراتها .

رأيت أبي من بعيد , معلقاً سلاحه بكتفه , يبتسم ابتسامته المعهودة التي غابت عني مذ كنت في الثالثة . سمعت الناس يتحدثون عن أبي من قائل يقول : إنه شهيد كردستان.

وآخر يقول : إنه قاتل حتى آخر نفحة من نفحات حياته , ويرد كهلٌ : إنه كان أشجع من الموت .

قلت للجميع : إن أبي أحب كردستان أكثر مني .

تبرز صورة أمي كئيبة , هزيلة , مليئة بالدموع . ومليئة بمعاني الشقاء .

تعود أمي إلى البيت بعد عناء طويل , تحضر لي ولأخي شيار فتاتاً من الخبز وبقايا من طعام الناس نأكل بشهية . نستسيغ كل طعام , وتبقى عيوننا عالقة بقطع الحلوى في أيدي الأولاد .

كل ذلك كان جميلاً في أحضان حلبجة الدافئة, أرى من حولي ثلاثة رموز : أمي الحنونة .. أستدفئ بعبراتها , أخي شيار بيده القوية يشدني من كل زلل ويبعد عني الأذى ومدينتنا الدافئة في الربيع .. الدنيا التي نعيشها أو العالم الذي لا تجتازه أحلامنا الصغيرة .

صور كثيرة تتحطم على صخور الموت .. تلفظ أمي أنفاسها الأخيرة . ترنو إلى شيار وتقول : لا بد أن تكبر يا شيار وتقاتل أعداء الطفولة , ثم تدير وجهها إليّ وتقول : فيان.. لا بد أن تصبحي ممرضة في المشفى التي سنبنيها قريباً .

ثم ابتعد صوتها .. اختفى بين ملايين الأصوات , عندما ضجت الدنيا ضجيجها , وعبثاً حاولنا جذبها من الهاوية . بقيت هناك بين آلاف الجثث .

أما أنا فشدتني يد أخي شيار .. من جديد .. ونقلتني بعيداً عن الضجيج .

فتحت عيناي على الدنيا , وجدتها تأخذ مني أمي وليس لي في هذه الدنيا إلا أخي شيار قلت له : شيار كيف سنعيش في هذا الجبل ؟

أجابني : سوف أبحث عن الطعام والشراب.. وأجلبهما لك كل يوم .

تحطمت كل الصور .. تدافعت أشباح مخيفة. القصف الذي نهش أجساد الأطفال وأخذ مني أمي . الجبل الوعر الموحش . الليل المظلم المخيف , البرد والجوع والعطش تمر أيام قاسية , نلجأ إلى كهف صغير . يتركني أخي شيار ليذهب باحثاً عن طعام وشراب. ثم يعود بشيء من الأعشاب البرية . تأكل أحشائي حين آكلها ثم , تعافها نفسي فأرغب في الجوع عنها , ثم .. تأكل أحشائي بعضها بعضاً .

تنهمر دموعي باردة , خاوية من بريقها .

ويحتار شيار في أمري يجدني أسقط بلا حراك , يتمدد جسدي على تراب الكهف ويميل رأسي صوب بوابته المنيرة .

يخرج شيار يبحث عن أي شيء ينقذني ويسد رمقي .

كانت الأضواء النافذة من بوابة الكهف هي كل الأمل الباقي , وكل الروح ينفذ إلى قلبي أرى به أمي الحبيبة تمد يدها القوية لتجذب لي من الدنيا طعاماً وتبقي على ضحكتي .

أرى به أمي الأخرى حلبجة تحتضنني برفق وتضمني إلى مئات الأطفال مثلي . وتقول للعالم إن هؤلاء الأطفال هم الإشعاع الصاعد من صميم الحياة ليصنع النور ويصنع السرور والأمل

رأيت من خلال الأضواء النافذة . شيئاً أشهى من الحلوى , مددت يدي إليه صنعت منه كرات صغيرة , تناولتها كرة بعد كرة , مضغتها في فمي , كانت خاوية من لذتها وحلاوتها .. لكنها كانت تملأ حمضة بطني.. أردت أن يعود أخي شيار كي يأكل معي, بدأت كرات الحلوى تزداد وبدأ الضوء يخبو , وبدأت قواي تتلاشى , رأيت من خلال الأضواء أخي شيار يدخل من بوابة الكهف يحمل معه صنوفاً من الفاكهة ولحم الدجاج والخبز الطازج , يقدمها لي , ينبض قلبي من جديد , نبضات حارة مضطربة, أرى أخي يبعد عني كرات الحلوى , يهزني بعنف, ويبكي , يصيح بعنف لا تأكلي التراب يا فيان .. يهدأ صوته , يتلاشى .. يتلاشى , ثم تتلاشى معه كل الصور .                                          

23 / 3/ 1995

===========

 حين تعم العدالة ستقتلع أشواك البشرية من حدائق الطفولة

 رينـاس

 كانت شجرة التفاح الصغيرة كطفل يافع تستقبل الحياة بعشق , قطرة قطرة وكنت أنا كالأم لها.

قال لي جدي ذات يوم :

- اعلم يا ريناس أن خير طعامك ما تصنعه بيدك , وخير الثمار ما تجنيها من تعبك وخير التعب ما يثمر .

قلت له :

- جدي , كيف أستطيع أن آكل ثمار تعبي ؟

قال لي : عليك أن تزرع شجرة وتتعهدها بالرعاية , فإذا كبرت وأثمرت وأينعت ثمارها , فحينذاك تأكل ثمار تعبك .

اخترت شجرة تفاح , وزرعتها قريباً من أشجار الزيتون والتين , التي زرعها أبي في الدار .

أسقيها الماء عند إشراقة الشمس وعند مغيبها, وأمضي يومي كله في مراقبتها .

كانت فروعها تنمو رويداً رويداً . تتدافع إلى الحياة بلهف , أراقب أوراقها تتلون بلون الربيع , وجذعها يثخن ليقوى على حمل الأغصان والأوراق .

قلت لأبي ذات يوم :

- أبي عندما تكبر شجرتي سأطعمك ثمارها .. إنها ثمار تعبي .

ابتسم أبي وقال :

- وأنا عندها سأرى ثمار تعبي .

قال جدي : انظر يا ريناس إن ألأعشاب الضارة والأشواك تتلفح حول شجرتك , وتعيق نموها وعليك أن تقتلعها لتنمو بحرية.

آه .. حتى الأشجار بحاجة إلى الحرية كي تنمو .. فهل الحرية إذاً إلا الحياة كأبهى ما تكون .

قلعت الأشواك والأعشاب الضارة حول شجرتي , فرأيتها تتألق نضرة وتزدهر نماءً كانت الأشجار الكبيرة تلقي بأجنحتها فوق شجرتي , كما تلقي الحمام أجنحتها فوق فراخها , وكانت أشعة الشمس تتسرب من خلال الأوراق العريضة , لتنفذ إلى أوراق شجرتي , وتهبها الدفء والنور .

أراقب قطرات الندى عند إشراقة الصباح تلثم أوراقها الندية , وتتدلى منها برفق فتنعكس منها أشعة الشمس الذهبية , فتبرق بريق الحياة في الطفولة .

تنمو شجرتي وأنمو معها , وأرى حلمي الجميل على وشك أن يتحقق , وأرى ثمار تعبي أتية أكاد أقطفها .

حتى إذا ابتهجت الدنيا ذات يوم , وملأت الفراشات جوّ حلبجة , ونشرت الورود والرياحين عبقها في أفقها , وضج الأطفال ضجيج الحياة , أتاها نذير الرعب , فتراقصت أغصان شجرتي وتمايلت , وخبأت الورود والرياحين أريجها , وكفت الفراشات عن الرقص , وارتعب الأطفال وتتدافعوا في شوارع حلبجة , كان أمر جلل على وشك أن يحدث .

تمسكت بشجرتي , إنها تحتوي على آثار تعبي , كما تحتوي على أجمل أحلامي .

رأيت العصافير تختبئ بين أفنانها الرشيقة , اختبأت معها وأنا أراقب السماء كانت الطائرات تنشر السموم والأهوال .

لم أشعر برعب قط طوال حياتي القصيرة .

كانت تلك اللحظات تجمع كل الخوف , وكل الهلع .

قصفت الطائرات بيوت الناس , وشوارع المدينة وأشجار الحدائق والبساتين وحتى عصافير الجو والأطفال .

بحثت حينها عن جدي لأقول له :

- ليس دائماً نجني ثمار تعبنا , أحياناً يضيع التعب سُدىً , حينما تختل نواميس الطبيعة , ويعبث الوحوش بأيام الناس ,

تساقطت أوراق شجرتي , انقطعت أغصانها الطريّة , ظللتني , غطتني , أرادت أن تحميني , لكنها كانت أضعف بكثير من أن ترد كيد الظالمين وكانت أضعف بكثير من

أن تقلع الأشواك البشرية من حدائق الطفولة ولكن بقي تراب الحديقة يحمي جذور شجرتي حتى تفرعت من جديد وأثمرت أنضج الثمار .. نعم زرعتها وها هي أختي دل برين تأكل ثمار تعبي من بعدي هنيئاً .. هنيئاً .. هنيئاً ...                                                    

20/ 3/ 2005

=======

كان فخوراً بأبيه .. حتى التقى به .. خلف جدران الزمن .. في مملكة شـيار

 كل طفل من حولي كان له أب يعدُّ له أيام عمره , أما أنا فقد اعتدت أن أنظر إلى صورة أبي كل يوم وأعدَّ له أيام غيابه .

يومَ همَّ أبي بالذهاب , ضمني إلى صدره ضمة قوية , ولثمني طويلاً , وقال لي : اعتنِ بأمك يا شيار وكن رجلاً , تمسكت بأسماله ورحتُ أبكي .. أمي فعلت نفس الشيء , حاولت أن تمنعه من الذهاب . لكنه لم يرأف بها وبي .. وحبس دموعه , وعصر قلبه .. وذهب .

صديقي ريبار له أب عطوف , يشتري له كل ما يتمناه , يطوف به في شوارع حلبجة, وفي العيد يأخذه إلى مدينة الملاهي الرائعة .

رنكين تقول إن والدها سوف يشتري لها تلفازاً.. وستمضي أوقاتاً طيبة باللهو به ودلسوز يحدثني دائماً عن رحلاته الجميلة مع أبيه في الجبال والحقول والبراري وكيف يعلمه أبوه فن الصيد .

قلت لأمي ذات يوم : إن أبي لا يحبني , لقد تركني هنا كي يسخر مني الأولاد .

قالت ومسحة الحزن لا تفارق وجهها : سيعود قريباً ويجعلك أسعد من كل هؤلاء .

قالت لي دوزكين يوماً : إن والدك مات , فلا تنتظر عودته . صفعتها .. ورحت أركض في شوارع مدينتي الحنونة , أردت البحث عن أبي , لم أجده في حانوت العم "حمو" ولا في مضيفة خالي "حسن" ولا حتى في الحقل, عدت باكياً , ارتميت على أمي .

ضمتني بشدة إلى صدرها , حاولت أن تهدئ من لوعتي , قالت بذات الصوت الشجي: ما بك ؟ شهقت باكياً .. وبصعوبة أجبتها : أين أبي ؟ هل حقاً مات ؟

مسحت بيدها الناعمة على رأسي , مسحت دموعي بأناملها , رأيت دموعاً عالقة بين أهدابها دفعتني فجأة ونهضت لتغيب وراء باب حجرتها , لحقتها .. كانت تمسك بصورة أبي التفتت إلي وقالت باكية : انظر إلى والدك ألا ترى السلاح على كتفه ؟

لقد تركنا ليذهب إلى الجبال ويقاتل مع البشمركة كي نظفر بالأمن والسلام , ويعيش كل الأطفال سعداء في أحضان أمهاتهم .

ماتت السعادة وأنا في حضن أمي .. اختفى الأمل البعيد , في كل صباح كانت عيناي ترنو إلى الأفق الجبلي البعيد , أرقب عودة أبي , وأعزي نفسي كل مساء .. بأن الغد سيكون أجمل ولا بد أن تمر الأيام سريعة ويعود أبي .

مات الأمل في قلبي . واختفت اللعب والملابس والحلوى وضحكة الطفولة .

تركت أمي وهرولت بعيداً عن الدار , التقيت بالأطفال يلعبون في شوارع حلبجة كان ريبار لا يزال يحدث عن أبيه العطوف ورنكين ترسم لمخيلات الأطفال صورة التلفاز, ودلسوز يدهشهم بمغامراته في البراري .

رمقتهم جميعاً , كنت أرى نفسي شيئاً وضيعاً في عالم الطفولة .

وبدأت مشاعر الكره والعتاب تنتابني . فلربما لا يدرك الأطفال شيئاً عن أبي , وقفت قبالتهم ورحت أصرخ فيهم قائلاً :

انظروا يا أولاد : إن أبي أعظم من آبائكم , فإذا كان آباؤكم يقدمون لكم اللعب والحلوى والتسالي , فإن أبي يمنح الجميع أماناً وسلاماً .

وإذا كان آباؤكم يبذلون من أجل سروركم نقوداً , فإن أبي يبذل من أجل سلامة الجميع دماً ويهدي الحرية كأجمل هدية وللجميع.

فإذا عاد أبي فلن أطلب منه شيئاً من أمانيكم, وإذا لم يعد فسأعده أن أصبح فدائياً مثله, وهنا اكتظ الأفق بالأشباح ارتعد الأطفال من الأصوات المخيفة , فتركوا لعبهم وراحوا يتدافعون بخوف ارتفعت الأصوات المخيفة , اقتربت الأشباح أكثر , راحت تقذف سمومها على الأطفال , تحطمت اللعب في الشوارع وتحطمت عليها آمال الطفولة , وغابت معاني اللعب والتسالي واندثرت معاني الأبوة في الأبوة .  فلم يكن هناك أب قادر على طرد الأشباح. علم الجميع أن أبي أعظم من آبائهم , وأمنياتي أجمل من أمنياتهم .

ففي هذه الساعة وحدها علمت وعلم ألأطفال أن الأمان والسلام أهم من كل لعب الأطفال . ولم تكن لحظات حتى ماتت كل ـأماني , حينما تحطمت كل اللعب وتحققت أمنيتي حينما التقيت بأبي .. كان ينتظرني هناك

في مكان ما ... خلف حدود الزمن وبقيت هدية والدي الأجمل والأعظم على الإطلاق.

 

 15/ 3/ 1996

 ===========

انتظر طويلاً .. يراقب عودة شيرين الجميلة ليشعل معها شموعنا وشموع نوروز .. ولكن ....؟؟؟

فرهـاد

 ولدت يوم ماتت آخر وردة من ورود الربيع , وتفتح قلبي للحياة يوم أظلمت الدنيا وضاقت النفوس . وركضت إلى البهجة يوم انتهت البهجة من الوجود.عندما كنت ألعب في باحة المدرسة،دخل رجلٌ طويلٌ يرتدي بذةً عسكرية يمسك بيد ابنته الشقراء،وانتهى بها إلى المدير. وبعد قليل خرج الرجل وبقيت ابنته. داخل الصف عرفت أن اسمها شيرين، وأنها ستبقى معنا حيناً من الوقت يجهله الجميع.

اقتربتُ منها ذات يوم وقلت لها في خجل:

ـ من أين أتيت يا شيرين؟

أجابت: لا أعرف، إننا لا نستقر في مكان واحد، لأن أبي يتنقل في عمله من مكان إلى آخر. لقد تجولتُ في مناطق عديدة,وتعلمتُ في مدارس شتى, وصار لي أصدقاء كثيرون. 

قلت لها : وهل ستكملين هذا العام في مدرستنا ؟

قالت لا أعلم .. لكنني أرغب البقاء في حلبجة الجميلة .

صارت شيرين صديقة لي , أخبرتني عن المدن والقرى البعيدة وعن الجبال التي تكسوها الثلوج في الشتاء وعن الأنهار المتدفقة والينابيع الباردة والمروج والبساتين الخضراء .

حدثتني كثيراً .. وددت أن أكون مثلها .

قلت لها : إذا أردتم الرحيل فخذوني معكم . تناولت دفتري برفق , وفتحته على صفحة بيضاء , وكتبت اسمها ثم رسمت زهرة أقحوان جميلة بجانب اسمها , وأغلقت الدفتر محمرة الوجه وناولتني إياه .

كنت أشعر بأنفاسها الحارة , وأراقب يدها المرتعشة , شيء ما كان يسري في عروقي بدأ جسمي يرتعش .

نظرت إلي بحنوٍ , قالت وهي تذهب :

سنرحل هذه الليلة .. لكننا سنعود بعد النوروز  

انطفأت الشعلة قبل أن تضيء , وماتت البسمة قبل أن تولد

أردتها أن تبقى لكنها غابت , وخلا الصف من بهجتها .

فتحت الدفتر .. كانت أنفاسها عالقة في الصفحة البيضاء .

لمستها بأناملي , تحسست قلبي بلهف , وتحسسته مرة أخرى يتمزق حزناً .

انتظرت النوروز طويلاً . بعد النوروز ستأتي شيرين وستهيج الحياة من جديد مضت أيام الشتاء ثقيلة . تفتح الأقحوان والنرجس .

لمعت في السماء شمس الربيع , وبرزت في الأفق تباشير النوروز .

خرجت إلى شوارع حلبجة , أتفحصها إن كانت تحمل أنفاس شيرين . أراقب وجوه المارة .. أصغي إلى الأصوات البعيدة . ما هي إلا لحظات حتى تخرج شيرين من بين هذا الحشد البشري .. أو أن تناديني من بعيد بأعلى صوتها .

لا بد أن تمزق شيرين حزن قلبي , كما مزقت هذه الطائرات ألق الطفولة ولا بد أن تعود شيرين ولو من بعد ألف عام وعام .

                                                   17/ 3/ 1996

=====

في أحضان حلبجة تنفس الحرية .. وفيها نال وسام الشهادة

جومرد

 في النفحة الثانية عشرة من نفحات عمري كنت حداداً أو شبه حداداً . وكانت خداي كصفيحتي حديد لا تتألمان من صفحات سيدي , كما لا تتألم صفائح الحديد من وقع المطارق .

في شارع مكتظ بالمارة , تتعانق فيه أصوات شتى, رنين الحديد , وصيحات الباعة , وزعيق السيارات وأحياناً بكائي . ومن بين كل ما أراه في هذا الشارع كان شكل سيدي هو الأكثر غرابة .

كان مترهل البطن , عريض المنكبين , أسمر الوجه إلى حد السواد , عيونه تقدح شراراً , وساعداه مفتولتان صلبتان صلابة الحديد , وكفه الحديدية لا تتوانى عن لطم الخد الغض , لا تزال العروق تنضح فيها أولى دفقات الدم القاني , كانت الدنيا تدور من حولي , أقع على الأرض فيتناولني بركلاته حتى تقع علي قطع شتى من الحديد.

ويمضي يومي في مشغل هذا الحداد , بين أصوات المطارق , وطنين الكفوف وأزيز المبرد والمثقب فإذا جعت أنتظر سيدي حتى ينهي طعامه فأهوي على ما بقي من فتات

لم يكن لي مسكن , عند المساء يغلق سيدي باب المشغل من الخارج , فأبقى بداخله أفترس برادة الحديد وألتحف تلك الصفائح .

عندما مات أبي أخرجتني أمي من المدرسة وأتت هنا بي كي أعمل .

لكنها قالت حينذاك : انظر يا جومرد , ستعمل لدى هذا الحداد حتى يعود خالك فيأخذنا معه إلى حلبجة مدينة الآلام والآمال. متى أنضم إلى أطفالك ؟

ترى كيف يقضي أط